|
|
|
إذا وقعت المصيبة
الشيخ: يونس صالح
28/مـــ
ـارس/2008 م21/ربيع الأوّل/1429 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
وبعد ...أيها الأحباب إسمحوا لي أن أقف أمامكم هذا الموقف ، وأن أعبر عما في داخلي مما مرَّ بنا قبل يومين ، مما حصل لبناتنا اللواتي كنّا يعشن بيننا ونراهن يسرحن ويمرحن هنا وهناك ، وما هي إلا لحظات وقد جاء القدر وانتقلن من دار إلى دار . نسأل الله لهن الثواب والمغفرة والرحمة من التوَّاب الغفور الرحيم.
ولهذا إليكم خماسية من الرسائل ضمنتها ما تشعرون به وأشعر به .
الرسالة الأولى : بعنوان كل نفس ذائقة الموت .
فالموت سُنّة الله التي كتبها على كل مخلوق في هذه الدنيا وكل نفس ، إلا المولى سبحانه حتى يتحقق معنى الربوبية ، ويظهر إسم الله الحي القيوم . فقد قال تعالى في حق النفوس قال تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} . وقال تعالى عن نفسه {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} وقال كعب بن زهير رضى الله عنه :
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوما على آلة حدباء محمولُ
ولهذا لما توفيّ الحبيب صلىّ الله عليه وسلم قال عمر رضى الله عنه ، وكأنه معترض على هذه القاعدة: "من قال محمدا قد مات قطعت عنقه" . فقالها أبو بكر رضى الله عنه: "من كان يعبد محمد فإن محمدأ قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت" . ثم قال: "يا عمر أما سمعت قول الحق سبحانه وهو يقول {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ} وقال {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ }" الزمر .
الرسالة الثانية : الإعتبار والتدبّر .
فمن حكمة الله تعالى التي تدل على وحدانيته ، وأنه له في كل تحريكة وتسكينة آية تدل على عظمته ووحدانيته :ما قال الشاعر :
في كل شيء له آية تدل على أنـّـه واحد
لهذا ينبغي ألا تذهب الأحداث وتمر علينا مرور الغافلين . وإنما تمر علينا مرور الكرام الذين يعتبرون بما يمر عليهم ويمرون عليه . قال تعالى {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} . فمن ظنّ أن حصونه من الشبابية والصغر في السن والصحة والعافية والقوة في الجسم والعقل أنها تمنعه من سنة الله عليه فقط أخطأ . لقد ظنت الأم التي لم توقض إبنها حتى يسافر أنها سوف تـُـنقذ إبنها من قدر الله المحتوم . وما درت أن الله قد كتب عليه الموت وهو في فراشه . وظن الأب الذي أبلغ بأن إبنه قد مات بعدما تركه في فراشه نائم . وقد أبلغ بأنهم وجدوا أمتعة إبنه مع أصحابه الذي كان سيذهب معهم إلى الرحلة فنام ولم يذهب . وعملوا حادث وماتوا جميعا بأنه قد مات معهم ، وما يدرون بأنه مات ولكن في بيته وعلى فراشه . وها هنّ بناتنا اللواتي متن قبل يومين . فبعد أن إنطلقت الرحلة بالحافلتين والسيارة ، وبعد مسير مسافة نزلوا في مكان للإفطار والاستراحة . وإذا بالبنتين اللواتي توفين ينتقلن من الحافلة إلى السيارة . ويقع الحادث ويموت الذي كتب الله عليه الموت ، وهما البنتين . ولو كنّ يعلمن ما سيقع لهن ما انتقلن الى السيارة ولكن قدر الله كما قال: {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت} .
الرسالة الثالثة بعنوان: "صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة"
قال صلى الله عليه وسلم: ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة)) . وعن أبي موسى رضى الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: إبنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه: بيت الحمد)) . وفي الحديث القدسي يقول الله تبارك وتعالى: ((ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)) . وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا آجره الله تعالى في مصيبته ، وأخلف له خيرًا منها)) ، قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أيّ المسلمين خير من أبي سلمة؟! أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم إني قلتها، فأخلف الله لي خيرًا منه: رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاضه مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيرًا مما انتزعه".
حدّثَ أحدهم فقال: كان لإبراهيم الحربي إبنُ كان له إحدى عشرة سنة ، حفظ القرآن ، ولقّنه من الفقه جانبًا كبيرًا، قال: فمات فجئت أعزّيه، فقال: كنت أشتهي موت إبني هذا، قال: فقلت له: يا أبا إسحاق ، أنت عالم الدنيا تقول مثل هذا في صبي قد أنجب ولقّنته الحديث والفقه؟! قال: نعم ، رأيت في منامي كأنّ القيامة قد قامت ، وكأن صبيانًا بأيديهم قِلال فيها ماء يستقبلون الناس فيسقونهم ، وكان اليوم حارًا شديدًا حره ، قال: فقلت لأحدهم: اسقني من هذا الماء ، قال: فنظر وقال: ليس أنت أبي ، قلت: فأي أنتم؟ قال: فقال لي: نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا وخلّفنا آبائنا ، فنستقبلهم فنسقيهم الماء، قال: فلهذا تمنيت موته. لله در والدا آلاء وايمان على صبرهما ونسأل الله لهما الجنة .
الرسالة الرابعة : روح الجماعة
لقد ظهرت الروح الجماعية في هذا الأمر وظهر حب الناس بعضهم لبعض ، وأنهم أمة واحدة إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى . فرأينا ألفة الناس ومحبتهم واجتماعهم على مصابهم . فبهذه اللحمة والجماعية ينصرنا الله على أعدائنا ولن ينالوا منا شيئا . ولله در الشاعر الذي يقول :
إن اجتمعنا فإن الله ناصــرنا على الطغاة الأفاعي أينما كانوا
وإن جنحنا فلا فوز ولا نصـر بل اضطراب وآلام وأحزانوا
يا إخوتي أنتم الأعلون فاصطبروا وكونوا عبادا جند الله اخوانوا
الرسالة الخامسة : بعنوان دعاء وإستغفار .
والحمد الله رب العالمين .
|
faheemfb@gmail.com |
فهيم أبوخـطـوة ،، البريد الإلكتروني |